معاد الوزاني الشاهدي
شركات بأسماء الأقارب، عروض مفصلة على المقاس، وتسليم سلع لا وجود لها… كل شيء يبدو قانونيًا حتى تنكشف الكواليس.
في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما تزال بعض الممارسات الإدارية تُغذي الشكوك حول جدية الإصلاح وتكافؤ الفرص في تدبير المال العام. فطلبات العروض، التي من المفترض أن تمثّل نموذجًا للنزاهة والمنافسة، باتت في بعض المؤسسات تُدار بمنطق داخلي يُفرغها من محتواها.
ملاحظات متكررة تثير الانتباه إلى طريقة تدبير هذه الطلبات، حيث يتم تداول الفوز بها بين شركات مختلفة، لكن بعلاقات خفية ومصالح متقاطعة، توحي بوجود تنسيق مسبق يسبق الإعلان عن الصفقة. عروض بأسعار دقيقة، و”تنافس” يُدار بحسابات داخلية، والنتيجة: صفقة تفوز بها شركة “مناسبة”، ضمن دورة تُكرَّر بشكل يصعب تفسيره بمعايير الصدفة.
الأدهى أن هذا السيناريو لا يمكن أن يكتمل دون ما يمكن تسميته بـ”الغطاء الإداري”، حيث تلعب بعض المحاضر الرسمية، خصوصًا محاضر الاستلام، دورًا مركزيًا في إضفاء المشروعية على صفقات أحيانًا لا تُنفذ بالكامل، أو لا تُسلَّم بالمعايير المنصوص عليها. وهنا، تُطرح أسئلة مشروعة حول مسؤولية الإدارة، لا كمجرد مراقب، بل كفاعل ضمني في هذه الحلقة.
مصادر متابعة لهذا النوع من الملفات تؤكد أن بعض الموظفين المكلّفين بتتبع وتنفيذ هذه العروض، يملكون اطلاعًا واسعًا على كل تفاصيلها، بل وتربط بعضهم علاقات شخصية أو عائلية مع الجهات التي تفوز بها، ما يجعلهم عمليًا حلقة وصل بين الإدارة والمورد، تحت شعار غير معلن لكنه متداول في الكواليس: “خيرنا ما يديه غيرنا،ولي بغى خيرنا يشوف ويلنا ”
وتشير تحليلات ميدانية إلى أن أسماء بعض الشركات، رغم تغيرها الشكلي، ترتبط بعناوين أو علاقات تقود دائمًا إلى نفس الدوائر، ما يعزز فرضية وجود شبكات مصالح تُدار من داخل المؤسسات نفسها، وتُلبس سلوكها رداءً قانونيًا يُصعّب كشفه.
أمام هذا الوضع، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الجوهري: من يراقب من؟ وهل ما زالت آليات المراقبة كافية للوقوف في وجه تحايل بات يُتقن أدواته، ويُراهن على ثغرات القانون نفسه لتأمين مصالحه؟
الفساد المقنّن، بصيغته الحديثة، لا يطرق الأبواب بعنف، بل يتسلل عبر النوافذ المفتوحة إداريًا. وبين موظف يوقّع، وآخر يُنسق، وشركة تربح، تذوب المسؤولية في دوامة قانونية محكمة، لا تكسرها إلا إرادة إصلاح حقيقية تتجاوز الشعارات إلى الفعل الملموس.
