الردار24H
شكّلت الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة بين المغرب والسنغال، المنعقدة بالرباط، مناسبة سياسية ودبلوماسية بارزة أعادت التأكيد على خصوصية العلاقات التي تجمع البلدين، باعتبارها شراكة متجذّرة في التاريخ ومفتوحة على آفاق استراتيجية واعدة. فقد شدّد رئيس الحكومة عزيز أخنوش على أن الروابط المغربية-السنغالية لا يمكن اختزالها في بعدها السياسي فقط، بل تقوم على تفاعل إنساني وروحي واقتصادي عميق، صنعته قرون من التواصل عبر الطرق التجارية التاريخية التي ربطت المغرب بعمقه الإفريقي، وكانت السنغال إحدى محطاتها الأساسية، ما أفرز تبادلا ثقافيا واجتماعيا متواصلا رسّخ علاقة طبيعية ودائمة بين الشعبين.
وأكد أخنوش أن هذا الرصيد التاريخي تعزّز عبر الزمن بالبعد الديني والروحي، من خلال إمارة المؤمنين والروابط الصوفية، خاصة الطريقة التيجانية، التي لعبت دورا محوريا في توطيد التقارب الثقافي والإنساني، مضيفا أن السنوات الأخيرة شهدت زخما جديدا في التعاون الثنائي، تُرجم بتنفيذ برامج متعددة في قطاعات حيوية، ما جعل الشراكة المغربية-السنغالية نموذجا للتعاون الإفريقي القائم على التضامن والاحترام المتبادل. وأوضح أن تسارع وتيرة هذا التعاون، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية، يفرضان تحيين الاتفاقيات القائمة وإضفاء دينامية جديدة على العلاقات الاقتصادية، مع إيلاء دور أكبر للقطاع الخاص في الاستثمار والتبادل التجاري.
وفي هذا السياق، توّجت أشغال اللجنة بتوقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت مجالات استراتيجية واسعة، من بينها الموانئ والتعليم العالي والبحث العلمي، وتنمية المقاولات الصغرى والمتوسطة، والبنيات التحتية الصناعية، والفلاحة وسلاسل الإنتاج الحيواني، والصيد البحري وتربية الأحياء المائية، إضافة إلى النقل الطرقي والسلامة الطرقية، والتكوين المهني، والاقتصاد الرقمي، والبنيات التحتية والمنح الدراسية، وهو ما يعكس إرادة مشتركة للانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر تكاملا وتنظيما.
وعلى المستوى القاري، أبرز رئيس الحكومة أن المغرب والسنغال يتقاسمان رؤية موحدة بشأن تسريع الاندماج الإفريقي، في ظل التحديات المتعددة التي تواجه القارة، خاصة في منطقة الساحل والفضاء الأطلسي. واعتبر أن المبادرات الملكية، وعلى رأسها المبادرة الأطلسية لتيسير ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، تجسّد مقاربة تضامنية جنوب-جنوب، تفتح آفاقا جديدة للنمو والاستقرار، مع دور محوري للسنغال في إنجاح هذه المشاريع.
كما جدّد المغرب تثمينه للدعم الواضح والثابت الذي تقدمه السنغال لقضية الوحدة الترابية للمملكة، سواء على المستوى القاري أو الدولي، وساندته لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الجاد والواقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، ما يعكس عمق الثقة السياسية التي تطبع العلاقات بين البلدين.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو أن بلاده ترتبط بالمغرب بعلاقة تتجاوز منطق التحالفات السياسية، لتلامس وجدان الشعبين وتستند إلى تاريخ مشترك من التبادل الإنساني والاقتصادي والروحي. واعتبر أن زيارته الرسمية إلى الرباط ليست رد فعل ظرفيا على أحداث رياضية عابرة، بل محطة لتجديد التأكيد على متانة الروابط الثنائية، مبرزا أن الانفعالات المرتبطة بالرياضة، مهما بلغت حدتها، لا يمكن أن تختزل عمق العلاقات بين دولتين وشعبين تجمعهما الثقة والاحترام المتبادل.
وأشار سونكو إلى أن السنغال، وهي تطلق برنامجا طموحا للتنمية في أفق 2050، تعوّل على شركاء موثوقين، وفي مقدمتهم المملكة المغربية، مثمنا مساهمة الشركات المغربية في النسيج الاقتصادي السنغالي في قطاعات متعددة، ومعبّرا في المقابل عن تطلع الفاعلين الاقتصاديين السنغاليين إلى ولوج السوق المغربية في إطار من التكافؤ والشراكة المتوازنة. وخلص إلى أن العلاقات المغربية-السنغالية مرشحة لمزيد من العمق والتنظيم والطموح، بما يرسّخ نموذجا إفريقيّا للتعاون القائم على التاريخ المشترك، والمصالح المتبادلة، والرؤية المستقبلية الموحدة.
