الردار24H
في سياق قاري مثقل بتداعيات التغيرات المناخية وتنامي الضغوط على الموارد الطبيعية، شارك المغرب في أشغال القمة التاسعة والثلاثين لقادة دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المنعقدة بـأديس أبابا، حاملا إلى طاولة النقاش تجربة تراكمت عبر عقود في مجال التخطيط المائي والهندسة الهيدروليكية. القمة، المنعقدة تحت شعار ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي لتحقيق أهداف أجندة 2063، عكست وعيا إفريقيا متزايدا بأن ملف “الذهب الأزرق” لم يعد قضية قطاعية معزولة، بل تحول إلى محور استراتيجي يتقاطع مع الأمن الغذائي والصحة العمومية والاستقرار الاجتماعي.
الحضور المغربي في هذا الموعد القاري جاء مدفوعا برصيد عملي تشكل عبر سياسة السدود التي أطلقت منذ عقود، وتطورت لاحقا لتشمل برامج كبرى لتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحديث شبكات الري، إلى جانب مشروع “الطريق السيار للماء” الرامي إلى نقل الفوائض المائية بين الأحواض لمواجهة اختلال التوزيع المجالي للتساقطات. هذه المقاربة المتعددة الأبعاد مكنت المملكة من بناء منظومة تدبير ترتكز على الاستباق والتخطيط بعيد المدى، بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية أمام سنوات الجفاف المتتالية.
وتأتي أهمية هذا النموذج في ظرفية إفريقية دقيقة، حيث تواجه عدة دول موجات جفاف حادة تقابلها في مناطق أخرى فيضانات مدمرة، ما يفاقم هشاشة البنيات التحتية ويهدد سلاسل الإنتاج الفلاحي. وفي هذا الإطار، يبرز البعد الهيكلي للتجربة المغربية التي تربط بين الأمن المائي والأمن الغذائي ضمن رؤية مندمجة، تجعل من الاستثمار في التخزين المائي وتعبئة الموارد غير التقليدية رافعة للتنمية الاقتصادية وتقليص الفوارق المجالية.
كما أن التحول نحو تحلية مياه البحر وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة في تشغيل المحطات يعكس توجها نحو ملاءمة السياسات المائية مع الالتزامات البيئية، بما ينسجم مع التحولات الدولية في مجال التنمية المستدامة. ويعزز ذلك انخراط المغرب في شراكات إفريقية ثنائية ومتعددة الأطراف لتقاسم الخبرات التقنية وبناء القدرات، في أفق بلورة تعاون جنوب–جنوب يستجيب لخصوصيات القارة بدل استنساخ نماذج خارجية.
القمة الإفريقية شكلت، في هذا السياق، منصة لإعادة ترتيب الأولويات القارية، حيث باتت مسألة تدبير المياه شرطا لازما لتحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي المنشود في أفق 2063. ومن خلال طرح مقاربة عملية قائمة على التخطيط بعيد المدى وتنويع مصادر التزود بالمياه، يرسخ المغرب موقعه كفاعل محوري في معادلة الأمن المائي الإفريقي، في مرحلة تتطلب حلولا بنيوية تتجاوز الشعارات إلى التنفيذ الميداني المستدام.
