معاد الوزاني الشاهدي
من المفترض أن تكون النقابات فضاءات للدفاع عن حرية التعبير، وأن تصون الكلمة لا أن تُضيّق عليها. غير أن ما يُلاحظ – في بعض السياقات – هو استغلال مواقع النفوذ داخل بعض الأطر النقابية لمحاصرة أصوات إعلامية أو موظفين عبّروا عن آراء لا تروق للبعض.
إن ممارسات من هذا النوع، وإن كانت محدودة، فإنها تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى التزام بعض المنتسبين للنقابات بثقافة الحوار والتعددية. حين يُوظَّف الانتماء النقابي، أو القرب من مواقع القرار داخلها، كوسيلة للتأثير على المؤسسات أو الأفراد، فإننا نبتعد كثيرًا عن المبادئ التي قامت عليها النقابة أصلًا.
وقد يُمارَس هذا التأثير بأساليب غير مباشرة: كالاتصال بالمسؤولين الإداريين، أو الضغط على هيئات إعلامية، أو خلق أجواء تشهيرية تُهدف إلى ثني البعض عن التعبير أو التطرق لقضايا شائكة تمس الواقع المهني أو النقابي.
الأخطر من ذلك، هو لجوء بعض الجهات إلى تسفيه الآراء المخالفة، والتقليل من شأن أصحابها، عبر اتهامهم بالمزايدة أو الجهل أو السعي لخلق البلبلة، في حين أن كثيرًا من هذه الأصوات لا تحمل سوى نية الإصلاح، وتعبّر عن قلق مشروع تجاه بعض الاختلالات. إن أسلوب التسفيه ليس حجة، بل هو اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة الحجة بالحجة.
لا يمكن السكوت عن هذا النوع من السلوك، لأنه يمس بمبدأ أساسي: أن لا أحد، كائنًا من كان، يملك الحق في مصادرة الكلمة أو توجيه الرأي العام حسب مصالحه. ومن واجبنا أن نُفرّق بين الدفاع عن التنظيم، وبين استغلاله للضغط على الأصوات المخالفة.
النقابة الحقيقية لا تخشى النقد، ولا تهاجم الإعلام، ولا تضغط على الموظف الشريف. بل تعتبر الكلمة الحرة جزءًا من آليات الإصلاح الذاتي والتقويم الداخلي.
ختامًا،
ليس أخطر على العمل النقابي من صوتٍ يُكمم، ولا أضعف من قيادةٍ تخشى رأيًا مخالفًا. الكلمة التي تُقمع اليوم، كانت ستبني وعيًا غدًا. والنقابة التي تضيق بالنقد، تضيق على نفسها الطريق.
فالصوت الحر لا يُقبر، وإن صمت لحظة، يعود أقوى.
والحق لا يحتاج إلى صراخٍ لينتصر، بل إلى صدقٍ يصمد.
