نار “الحُكرة” في وطن يَنشد دمقرطة حقوق الإنسان
مروان الجوي
تشكل مسألة “الحكرة” إحدى الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تعكس خللاً عميقًا في بنية المجتمع، حيث يجد الشباب أنفسهم ضحايا للإهانة والتمييز في وطن يرفع شعارات الكرامة والحق في الحياة. وبينما تتراجع أدوار المثقف والمجتمع المدني بسبب الفساد، وتنهار الأسرة تحت وطأة الفقر والهشاشة، وتُهمل السلطة المركزية مسؤولياتها في تحقيق العدالة، نجد أنفسنا أمام نتائج كارثية تتطلب معالجة جذرية.
رغم المبادرات الرائدة التي يطلقها جلالة الملك محمد السادس، والتي تهدف إلى تكريس ثقافة حقوق الإنسان وضمان كرامة المواطن، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة بين هذه المبادرات والتطبيق الفعلي على أرض الواقع. فالشطط في استعمال السلطة من قبل بعض الجهات المكلفة بحماية المواطن يؤدي إلى إجهاض هذه الجهود، مما يرسخ الشعور بالظلم والتهميش لدى الفئات الأكثر هشاشة.
في ظل هذا المشهد القاتم، يبرز دور الكلمة الحرة وسلطة القلم في تفكيك الواقع المحلي بكل تجرد ومسؤولية وطنية. فالإعلام والصحافة الحرة يشكلان الملاذ الأخير لكشف التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عن الشطط في استعمال السلطة، مما يسهم في خلق وعي مجتمعي قادر على المطالبة بالتغيير والإصلاح.
رغم الشعارات التي ترفعها الدولة حول المساواة والعدالة، لا تزال الممارسات العنصرية والنظرة الدونية تجاه أبناء الأحياء الشعبية مستمرة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: إلى متى ستظل هذه الفجوة قائمة؟ هل نحن أمام إرادة سياسية حقيقية لتجاوز هذه التحديات، أم أن الأمر لا يتعدى كونه سياسات مرحلية تفتقر إلى الاستدامة؟
إن ما نشهده اليوم من شطط في استعمال السلطة يعيدنا إلى نماذج تاريخية تعكس سيطرة الحكم المطلق، كسلطة أخناتون في مصر القديمة، التي جسدت نموذج الطغيان والاستبداد، أو السلطة الكنسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، التي احتكرت القرار وقمعت الحريات. واليوم، نجد أنفسنا أمام سلطة تتجاوز القوانين والأعراف، متبنية نهجًا مستمدًا من “حالة الطبيعة” التي وصفها هوبز في كتابه “التنين”، حيث تسود الغريزة في السعي نحو القوة والهيمنة دون اعتبار للعدالة والمصلحة العامة.
في ظل غياب الرقابة والمساءلة، تستمر بعض الجهات في الحفاظ على نفوذها باستخدام وسائل غير مشروعة، مثل خرق القوانين، دهس العدالة، وتوسيع نطاق الفساد. والنتيجة هي تفاقم الهشاشة الاجتماعية، وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية، مما يضعف أي إمكانية لتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو العنف النفسي الذي تمارسه السلطة المركبة بين السياسي والإداري والأمني، والذي يمس بكرامة الإنسان ويخلف وراءه ضحايا مستغلًا الحاجة والفقر وقلة الوعي. ومن هنا، يصبح لزامًا علينا جميعًا المطالبة بدمقرطة المشهد المحلي، وضمان سيادة القانون، وإعلاء سلطة القلم الحر كحائط صد أمام الطغيان والاستبداد.
