عبد النبي شعول: عضو لجنة دعم منكوبي فيضانات إقليم تاونات
في الرباط، وعلى بعد مئات الكيلومترات من طين ووحل تاونات، وقف أبناء وبنات الإقليم حاملين شهادة أرضٍ ضربتها الأمطار والسيول، فجرفت البيوت والجسور والمحاصيل، وتركت خلفها جراحا مفتوحة لا يداويها الصمت.
لم تكن حجم الأضرار أرقاما عادية.
كانت بيوتا طينية تنهار فوق رؤوس سكان الهامش.
وجسورا تختفي في لحظة، فتُعزل قرى كاملة عن العالم.
وكان زيتونٌ صبر عليه الأجداد دهرا يضيع في ليلة واحدة.
عشرات المنازل انهارت كليا.
وأخرى تقف على حافة السقوط.
وثلاثة وعشرون دواراً، يسكنها نحو عشرين ألف إنسان، يعيشون عزلة شبه تامة منذ منتصف يناير.
منتصف يناير… ونحن في مارس.
المذكرة الترافعية التي رُفعت إلى رئاسة الحكومة ومؤسسات الحكامة لم تطلب مستحيلا.
طلبت فقط إعلان الإقليم منطقة منكوبة وفق القانون 110.14، وتوسيع برنامج الدعم الحكومي ليشمل تاونات كما شمل أقاليم أخرى.
لكن التساؤلات التي تحاصر الإنسان التاوناتي المتضرر هي:
لماذا تحتاج كارثة في تاونات إلى ندوة كي تُرى؟
وإلى مذكرة كي تُسمع؟
وإلى جهد إعلامي كي يُصدَّق وقوعها؟
لماذا لا يتحرك المركز إلى دواوير الهامش ويشرح لسكانه لماذا أوجاعهم أقل قيمة من أوجاع غيرهم ؟
وإذا كان يتبجح بخطاب “التضامن الوطني”،لماذا لم يثبته عمليا في تاونات قبل أي خطاب آخر ؟
عندما يشترط المركز على الهامش أن يثبت منكوبيته ، أليست هذه إهانة كبرى وعقاب للفقراء على فقرهم وللمهمشين على هشاشتهم.
في هذا البلد مغربين:
مغرب يُستجاب له فورا،وثمة مغرب يترك حتى يُنسى.
تاونات لها سوابق في الهشاشة المركبة والفقر المتعدد الأبعاد.
حتى الجغرافيا لم تكن رحيمة به …
إقليم على تضاريس وعرة، طرقه متعبة، وبنيته التحتية هشة، وهجرةٌ نزفت شبابه لعقود. وحين جاءت السيول لم تجد أرضاً محمية وفيها ما من معززات الصمود ، بل أرضا مكشوفة متروكة للقدر.
في موسم واحد ضاع ثمانون في المائة من محصول الزيتون.
وجرفت السيول عشرات الهكتارات من الأراضي الخصبة.
وفقدت الأسر أعلافها ومواشيها، ولم يبق لها سوى هذا الصبر الايوبي الطويل.
لماذا تاونات واخواتها من الهوامش دون غيرهم؟
حين ضربت الفيضانات مناطق أخرى في البلاد ،تحركت المركز فورا، أُعلن عن المناطق منكوبة، صرفت التعويضات، وفتحت برامج الدعم بقيمة ثلاثة مليارات درهم، مع بثّ إعلامي مكثف عن التضامن.
أما تاونات وأخواتها؟ لا إعلان، لا تصنيف، لا برنامج، ولا زيارة تُريح الخاطر.
لهذا فإن طلب إعلان تاونات منطقة منكوبة ليس منّة من المركز نحو الهامش.
إنه اعتراف بحق تأخر كثيرا، وسدادٌ لجزء يسير من دَينٍ متراكم من الإهمال الممنهج الذي طال هذا الإقليم لسنوات.
لجنة دعم المنكوبين لا تطلب الشفقة.
تطلب الإنصاف.
فالشفقة هو أن تمنح ما تشاء،
أما الإنصاف فيُلزم بما يجب.
وبين الشفقة والإنصاف مسافة اسمها الكرامة.
وساكنة تاونات لا تطلب امتيازا، بل حقا بسيطا: أن تعيش في أرضها بكرامة، وأن لا يتحول بعدها الجغرافي عن المركز إلى بعدٍ عن العدالة المجالية والانصاف.
إن تاونات ليست بخير،
والبلد كله لا يكون بخير حين يبقى جزء منه في العتمة.
لا كرامة دون إنصاف…
ولا إنصاف دون تصنيف عادل.
