حسام فوزي.فاس
في مشهد يختزل العبث المالي والسياسي الذي تعيشه مدينة فاس، لا يجد رئيس مجلس جماعة فاس وأغلبيته حرجًا في ضخ 400 مليون سنتيم من المال العام في حساب جمعية “فاس-سايس للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية”، تحت غطاء اتفاقية لتنشيط “الحياة الثقافية” بالمدينة، بينما يعيش مئات العمال والموظفين العرضيين وضعًا مأساويًا بسبب عدم انتظام صرف أجورهم، بل واستعداد الجماعة لاقتطاع جزء من تلك الأجور الهزيلة أصلاً، بذريعة الأزمة المالية!
المثير للسخرية، أن هذه “الضائقة” لم تمنع الجماعة من توقيع اتفاقية جديدة، يُرتقب عرضها خلال دورة ماي العادية يوم الجمعة المقبل، تقضي بمنح 4 ملايين درهم دفعة واحدة لجمعية فاس-سايس، التي تتقاطع مساراتها مع مؤسسة “روح فاس” المتورطة في فضائح مالية صادمة، آخرها شُبهات اختلاس أموال عمومية كانت مخصصة لتنظيم مهرجان الموسيقى الروحية.
نحن هنا لا نتحدث عن جمعية تنشط في الأحياء الشعبية أو تقدم خدمات اجتماعية لفقراء المدينة، بل عن “أب روحي” لمؤسسة ولدت في أحضانها، وظلت بمثابة واجهة ملحقة بها منذ تأسيسها سنة 2006. وها هي اليوم تعود لتستنزف من جديد أموال دافعي الضرائب عبر غطاء “الثقافة”.
أما العرضيون، والذين يمثلون عصبًا أساسيًا في تسيير الشأن اليومي داخل المقاطعات والمصالح الجماعية، فتمت مكافأتهم على صبرهم وولائهم… بالاقتطاع من أجورهم. ليس لسبب سوى أن الجماعة قامت في ظروف غير مفهومة بإضافة عدد جديد من العرضيين، دون أي معايير واضحة، ما خلق ضغطًا ماليًا اختارت الجماعة أن تحلّه على حساب أجور الضعفاء، بدل إعادة ترتيب الأولويات.
والمفارقة الصادمة أن الحكومة سبق أن أقرت زيادة بـ5% في الأجور، إلا أن العرضيين بفاس سيُستثنون منها. فالجماعة التي تدّعي العجز، قررت حرمانهم من حقهم المشروع، في الوقت الذي لم تتردد فيه في توقيع اتفاقيات سخية مع جمعيات تورطت علنًا في “اختلاس وتبديد المال العام”.
أين هي الحكامة؟ أين هي الشفافية؟ من يراقب؟ من يحاسب؟ هل أصبحت فاس تُدار بمنطق الريع والعلاقات الخاصة، بينما يُترك أبناء المدينة، من عمال وعرضيين، لمصيرهم المجهول تحت رحمة قرارات جائرة وغير مبررة؟
الجمعة المقبل، ستُعرض هذه الفضيحة على أنظار مجلس المدينة، ولكن من يجرؤ على قول “لا” في وجه ماكينة الدعم السياسي والمالي المسخرة لترضية الجمعيات المحظوظة؟ وأين هي سلطة الرقابة المركزية من هذا العبث المفضوح؟
