اليوبي وليد.مربي التعليم الأولي
في زاوية مهمَلة من المشهد التربوي المغربي، يتخبّط التعليم الأولي في واقع هشّ، ينكشف يوماً بعد يوم على حقيقته كقطاع استُنزفت مقوماته، وتُرك مربوه في العراء، يواجهون مصيراً مهنياً يفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة والاعتراف. فبين الخطاب الرسمي الذي لا يتوقف عن التغني بأهمية السنوات الأولى من التمدرس، والواقع اليومي الذي تعيشه الفئة العاملة في هذا المجال، تتسع هوة النفاق المؤسساتي ويعلو صوت الغبن.
المربيات والمربون في التعليم الأولي ليسوا موظفين، بل متعاقدون مع جمعيات لا تحمل من التربية إلا الاسم، ولا تخضع في كثير من الأحيان لأي منطق شفاف في التدبير. يعملون بأجور هزيلة لا تكفي لسد رمق الكرامة، ومن دون تغطية صحية أو حماية اجتماعية، يُطلب منهم أداء مهام تتجاوز ما هو تربوي إلى ما هو إداري، تنظيمي، بل وحتى خدماتي في بعض المؤسسات. إنهم يتولّون تربية الطفولة، ويُكلفون بما لا طاقة لهم به، دون دعم ولا أفق.
وسط هذا الوضع، تلعب جمعيات الوساطة دوراً إشكالياً، فهي من جهة تدّعي ملء فراغ الدولة في تأطير وتسيير التعليم الأولي، لكنها من جهة أخرى، تغدو أداة لتكريس الهشاشة والزبونية، حيث تُحتكر العقود، وتُمارس السلطة على المربين باسم “الشراكة” دون رقيب. لقد أصبح مربو التعليم الأولي رهائن في معادلة غير عادلة، أرقاماً في تقارير رسمية تسوّق إنجازات وهمية، بينما هم في الحقيقة مجرد عتاد بشري رخيص.
أما وزارة التربية الوطنية، فهي تتقن فنون التجاوب الموارب، وتُدلي بإجابات لا تشفي صدراً ولا تُطمئن مصيراً. لا وجود لقرارات حاسمة، ولا لمخططات ملموسة تضع حداً لهذه المهزلة. الوزير يكرر العبارات نفسها حول “المقاربة التدريجية” و”الإصلاح المرتقب”، في وقت لا يملك فيه المربون ترف الانتظار، ولا الأطفال قدرة على الفهم أن من يُعدّهم للحياة، ليس لديه من الحياة المهنية شيء.
في ظل هذا الانحباس، لم يكن أمام المربين سوى النزول إلى الشارع، يرفعون شعارات لا تطالب بالامتيازات بل بالحد الأدنى من الإنصاف. النقابات بدورها بدأت تُدرج هذا الملف في أجندتها، مطالبة بالإدماج الفوري في الوظيفة العمومية وتسوية الوضعية المهنية، باعتبارها خطوة لا بديل عنها إن كانت الدولة جادة في إصلاح التعليم. فكيف يعقل أن تُبنى المدرسة المغربية على أسسٍ منهارة من أولى درجاتها؟
لا يجب أن نغفل أيضاً البُعد الاقتصادي لهذا الإهمال؛ فكل استثمار يُهدَر في منظومة تسير بعشوائية، هو خسارة للبلاد بأكملها. التعليم الأولي ليس مجالاً للتجريب أو للربح السريع عبر “الجمعيات”، بل ركيزة أساسية في بناء الإنسان. إن الرهان على المستقبل يمرّ من هنا، ومن يزرع الخيبة في السنوات الأولى، لن يحصد سوى الفشل في السنوات اللاحقة.
أمام هذا الواقع، لم تعد المسألة تقنية أو قطاعية، بل تحوّلت إلى قضية كرامة وطنية. آن الأوان للاعتراف بأن مربيات ومربي التعليم الأولي ليسوا فائضاً بشرياً يمكن التحايل عليه بل هم العمود الفقري لأية نهضة تربوية حقيقية. فهل تتوقف الدولة عن إدارة هذا الملف بعقلية الترقيم والمراوغة، وتشرع أخيراً في ردّ الاعتبار لمن يُربّي الأمل في أقسام منسية؟
