محمد غلوط /الردار24
ما حدث بثانوية ابن رشد بسيدي المختار من استقبال احتفالي لتلميذ اعتدى على أستاذه بعد الإفراج عنه، ليس مجرد حادث عابر أو طيش مراهقين، بل هو مشهد رمزي يلخص عمق الأزمة التي يعيشها التعليم في المغرب. مشهد صادم يكشف حجم الانهيار القيمي داخل المدرسة، ويطرح أسئلة مقلقة حول ما تبقى من سلطة رمزية للمربي، ومن احترام للمؤسسة التعليمية، ومن دور تربوي يفترض أن تضطلع به المدرسة.
حين يتحوّل المعتدي إلى بطل، وتُصفق له الجماهير، ويتم استقباله بالهتاف، فإننا لا نكون أمام مجرد تصرف فردي، بل أمام تحول خطير في الوعي الجماعي داخل المؤسسة التعليمية. تحول يعكس انهيار منظومة القيم، وتفكك وظيفة المدرسة كمجال للتنشئة على الاحترام والمسؤولية والكرامة.
وما يزيد الصورة قتامةً، أن الأستاذ المعتدى عليه قيل إنه تنازل عن متابعة التلميذ قضائيًا. وهو تنازل وإن بدا في ظاهره فعلًا إنسانيًا أو بدافع الضغوط الاجتماعية والنفسية، فإنه يحمل في طياته رسائل مؤلمة: مدرس يُضرب، ثم يُجبر على الصمت أو التنازل، في غياب تام لأي حماية مؤسساتية أو قانونية أو مجتمعية. إنها المهزلة الكبرى حين يُهان من يُعلّم ويُترك وحيدًا في وجه العنف والتشهير.
هذا الحدث ليس معزولًا، بل يأتي في سياق أزمة عميقة تضرب المدرسة المغربية في جذورها:
أزمة اختيارات سياسية خاضعة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية.
أزمة غياب رؤية وطنية حقيقية لإصلاح التعليم.
أزمة تقنوقراطية تقيس المدرسة بالأرقام والمؤشرات، لا بالرسالة والمعنى.
وأخيرًا، أزمة تفريغ المدرسة العمومية من رمزيتها ومن قدرتها على التأثير في الإنسان والمجتمع.
لقد تحولت المدرسة إلى مجال هش، يعاني من ضعف التجهيزات، وتدهور البنيات، وتفكك المناهج، وغياب التكوين الجيد، وارتفاع مهول للهدر المدرسي. مدرسة تُدار من فوق، بلا إشراك حقيقي للفاعلين، وبلا إرادة سياسية واضحة، وبدون وعي بأن الاستثمار في الرأسمال البشري هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر.
ما وقع في سيدي المختار هو إنذار. صرخة مدوية تقول إننا نغرق في مستنقع خطير، وإن المساس بمكانة الأستاذ هو مساس بمستقبل الوطن. فلا نهضة بدون تعليم، ولا تعليم بدون كرامة للمدرس، ولا كرامة دون حماية، ولا إصلاح دون إشراك حقيقي لكل مكونات المجتمع.
فمن يُكرم المعلم اليوم؟ ومن يحميه من العنف، من التهميش، من الانكسار؟
لقد آن الأوان لنفهم أن أزمة التعليم ليست تقنية ولا عرضية، بل سياسية وبنيوية وأخلاقية، وأن كل تأخير في الاعتراف بذلك هو تسريع لانهيار ما تبقى من المدرسة المغربية.
