الردار24H
في أجواء مشبعة بالإبداع والانفتاح على الكلمة الحرة، نظم معهد EPAG المهني للسمعي البصري والغرافيزم بالرباط، أولى محطات اللقاء الشعري “الأنفاس المتقلبة – Les souffles volages”، الذي أدار دفّته الشاعر والفنان ياسين جناني، وأحيته الشاعرة حليمة سجاع بإلقاء راقٍ جمع بين العفوية والعمق.
الحدث، الذي جمع كوكبة من شعراء “الصلام” من مختلف جهات المغرب، حمل منذ افتتاحه نبرة وفاء لذاكرة الأغنية الملتزمة، حيث استعاد مدير المعهد، محمد العلوسي، أسماء راسخة في الوجدان المغربي كـ “ناس الغيوان”، و“جيل جيلالة”، و“المشاهب”، مشددًا على أنهم لم يكونوا فقط فنانين، بل بناة لمدرسة فنية حملت هموم الناس وغنتها بلغة صادقة. ومن هذا الباب، دعا العلوسي الجيل الجديد من الشعراء لأن يكونوا امتدادًا لتلك الرسالة الفنية، قائلاً: “الكرة الآن في ملعبكم، فأنتم صوت المرحلة القادمة”.
من جانبه، عبّر ياسين جناني عن فخره بهذه الانطلاقة، مشيرًا إلى أن انفتاح مؤسسات التكوين المهني على التعبير الشعري ليس ترفًا، بل ضرورة لتشكيل وعي فني جديد، يعيد للشباب علاقتهم بالجمال، ويجعل من الكلمة وسيلة للتحرر والارتقاء بالذوق العام.
تنوّع المشاركون والمشاركات أضفى على الصبيحة نكهة فنية خاصة، إذ حضرت الأصوات من فاس، وجدة، الدار البيضاء، مكناس، بركان، قلعة مكونة، طنجة، فجيج وسلا، في توليفة شعرية مزجت بين صراخ الذات وهمّ الجماعة. وتفاوتت النصوص بين التمرد الصاخب والتأمل الهادئ، وبين الحكي الشخصي والانخراط في وجدان مشترك.
وكانت إحدى أبرز لحظات اللقاء مشاركة الكاتبة والصحافية نادية الصبار، التي قدمت نصًا نثريًا بعنوان “الراقصة والشيخ”، خرج عن نسق “الصلام” دون أن يغادر ساحة التأثير، إذ حمل العمل بعدًا دراميًا وإنسانيًا خاصًا، أعاد مساءلة الحرية من زاوية أنثوية مشحونة بالإحساس والتعبير الرمزي، ما منحه تفردًا لافتًا ضمن باقي المشاركات.
ولئن كان الحدث موجهًا في معظمه إلى شعراء “الصلام”، فإن حضور نادية الصبار بدا وكأنه “انزياح محسوب”، زعزع الإيقاع الرتيب، وأدخل الحضور في لحظة استماع مختلفة، أكثر هدوءًا لكنها لا تقل حرارة وعمقًا.
“الأنفاس المتقلبة” ليست فقط عنوانًا لصبيحة شعرية، بل وعدٌ بثقافة بديلة تفتح نوافذها لشباب يؤمنون بأن القصيدة يمكن أن تكون فعلًا، وأن الكلمة ما تزال قادرة على الخلق، والخلخلة، والتغيير.
