الردار 24H
تحولت إحدى قاعات فندق المرينيين بمدينة فاس، مساء الأربعاء 14 يناير 2026، إلى فضاء نابض بالرموز والدلالات الثقافية، حيث اجتمعت فعاليات نسوية من آفاق مهنية ومدنية متعددة للاحتفاء برأس السنة الأمازيغية 2976، في لقاء حمل أبعادًا ثقافية وهوياتية تجاوزت الطابع الاحتفالي نحو ترسيخ ثقافة الاعتراف بالذاكرة الجماعية.
اللقاء، الذي نظم بمبادرة من نساء فاعلات في مجالات التربية والثقافة والعمل الجمعوي والنقابي، جاء في سياق وطني يتسم بتكريس المكانة الدستورية للأمازيغية، وبترسيم يوم 14 يناير عطلة وطنية رسمية، وهو ما أضفى على المناسبة حمولة رمزية قوية، تعكس مسارًا متقدمًا في إعادة الاعتبار لمكونات الهوية المغربية المتعددة.
وخلال هذا الموعد الثقافي، برز الدور المحوري الذي تضطلع به النساء في صون الذاكرة الأمازيغية، باعتبارهن حلقة أساسية في نقل التراث اللامادي عبر الأجيال، سواء من خلال اللغة، أو الطقوس الاجتماعية، أو الممارسات الفنية المرتبطة بالمجال والزمان. فقد شكل الاحتفاء مناسبة لاستحضار هذه الأدوار، وتسليط الضوء على مساهمة النساء في حماية الموروث الثقافي من الاندثار.
وتنوعت فقرات البرنامج بين عروض فنية وثقافية عكست غنى الثقافة الأمازيغية، حيث قُدمت أطباق تقليدية مرتبطة بطقوس “إيض يناير”، بما تحمله من دلالات مرتبطة بالخصب والتجدد والعلاقة بالأرض، إلى جانب لوحات فنية قدمتها فرقة “أحيدوس”، التي أضفت على اللقاء أجواء احتفالية استحضرت عمق التعبير الفني الأمازيغي وتفاعله مع الذاكرة الجماعية.

كما تخللت الاحتفال فقرات ثقافية استعرضت رمزية يناير في التاريخ الأمازيغي، باعتباره محطة زمنية تؤرخ لدورة جديدة من العطاء والاستمرارية، ومناسبة لترسيخ قيم التعايش والاعتزاز بالتعدد الثقافي الذي يميز المجتمع المغربي.
وأبرزت المشاركة الواسعة لنساء من مشارب مختلفة البعد التعددي لهذا اللقاء، حيث شكل فضاءً للتلاقي وتبادل الرؤى حول سبل تعزيز حضور الأمازيغية في الفضاء العمومي، ودعم المبادرات المدنية التي تسعى إلى تثمين التراث اللامادي، وجعله رافعة للتنمية الثقافية والاجتماعية.
وفي ختام اللقاء، شددت المشاركات على أن تخليد رأس السنة الأمازيغية ينبغي أن يتجاوز مظاهر الاحتفال الظرفي، ليشكل محطة سنوية للتأمل في مسار الاعتراف بالهوية الأمازيغية، وتعزيز قيم المساواة والإنصاف، وترسيخ ثقافة الاختلاف باعتبارها عنصر قوة وغنى في البناء المجتمعي المغربي.
ويعكس هذا اللقاء، في مجمله، تنامي الوعي بأهمية الأمازيغية كلغة وثقافة وتاريخ، والدور المتزايد الذي تلعبه المبادرات النسوية في حفظ الذاكرة الجماعية، وصون التراث اللامادي، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالتعدد كخيار مجتمعي راسخ.
