الردار24H
في مشهد يعكس حجم التوتر بين المجتمع المدني والمؤسسة السياسية بالمغرب، خرج محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بتصريحات قوية أعادت الجدل حول قضايا الفساد إلى واجهة النقاش العمومي. الغلوسي، المعروف بمواقفه الصريحة، اعتبر أن اتهام جمعيات حماية المال العام بممارسة الابتزاز، من داخل المؤسسة التشريعية، لا يعدو أن يكون محاولة لتبخيس دور هذه الجمعيات، وتسطيحاً خطيراً لنقاش يرتبط مباشرة بمستقبل الشفافية والحكامة في البلاد.
الغلوسي، الذي كان يتحدث في ندوة نظمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية بالرباط، لم يتردد في مهاجمة من وصفهم بـ”المتربصين”، متسائلاً: “إن كان هناك فعلاً ابتزاز، فلماذا لا يُحال الملف على القضاء؟”، قبل أن يضيف بلهجة حازمة: “عدم التبليغ عن جريمة يُعد جريمة بدوره”. تصريحاته شكلت رداً مباشراً على بعض الأصوات البرلمانية التي لمّحت إلى وجود أجندات خفية وراء تحركات الجمعيات الحقوقية، وهو ما اعتبره الغلوسي تهرباً من مواجهة جوهر الإشكال، ومحاولة لتحوير النقاش من أسئلة المسؤولية والمحاسبة إلى اتهامات مشوشة.
في هذا السياق، أشار الغلوسي إلى وجود مساعٍ لعزل المجتمع عن معركة محاربة الفساد، عبر تعديلات تشريعية ومواقف سياسية من شأنها الحد من فعالية القضاء. وخص بالذكر التعديلات التي طالت المادتين 3 و7 من مشروع القانون الجنائي، معتبراً أن خلف هذه التعديلات “رغبة في تحجيم سلطة المجتمع والنيابة العامة” في مساءلة المسؤولين.
وفي إشارة لافتة، لمّح الغلوسي إلى نوع من الاستياء الرسمي من قيام جمعيات المجتمع المدني بإحالة تقارير المجلس الأعلى للحسابات على القضاء، متسائلاً إن كانت هذه التقارير، التي يُفترض أن تكون أدوات رقابة ومحاسبة، تحولت إلى أوراق محرجة ينبغي التخلص منها في الصمت. كما لم يُخفِ استغرابه من استمرار تجميد قوانين أساسية مثل مشروع تجريم الإثراء غير المشروع، وتعليق مراجعة قانون التصريح بالممتلكات، وتجميد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، ما يعكس ـ حسب رأيه ـ غياب إرادة سياسية واضحة لمواجهة الظاهرة.
الغريب، يضيف الغلوسي، أن هناك من يحاول تصوير الفساد كممارسات معزولة، في حين أن الحقيقة تُظهر وجود شبكات منظمة، ونخب استفادت من عرقلة التنمية، وساهمت في تمييع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولذلك، يصر على أن الفساد ليس فقط معركة قانونية، بل هو جوهر المعركة من أجل الديمقراطية.
في ختام كلمته، شدد الغلوسي على أن جمعيته ليست بديلاً عن المؤسسات، لكنها فاعل مدني يسعى، رغم الصعوبات، إلى دفع الملف نحو فضاء العدالة والمحاسبة. وأكد أن مواجهة الفساد لا يمكن أن تكون مسؤولية فردية أو قطاعية، بل تقتضي انخراطاً جماعياً حقيقياً، وإرادة صادقة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
