هشام النواش
تشهد بعض المجالس الجماعية ظاهرة مقلقة تتمثل في الاكتفاء بالحضور الشكلي لبعض المستشارين دون أي تفاعل أو مساهمة فعلية في النقاش أو الترافع عن قضايا المواطنين. هؤلاء الأعضاء يقتصر دورهم غالبًا على رفع اليد عند التصويت، وكأن مهمتهم تنحصر في استكمال النصاب القانوني لا غير.
غياب الدور التمثيلي :
المستشار الجماعي ليس “ضيف شرف” داخل الدورة، بل ممثل لفئة من الساكنة التي وضعت ثقتها فيه بناءً على وعود وبرامج. وعندما يغيب النقاش والتدخل، تُفرَّغ العملية الديمقراطية من جوهرها، ويضيع صوت المواطنين الذين انتخبوه.
تصويت بلا موقف :
الاكتفاء بالتصويت دون إبداء رأي أو تقديم ملاحظات يخلق حالة من “اللامسؤولية السياسية”، إذ يصبح المستشار مجرد رقم يزكّي القرارات بدل أن يساهم في صناعتها أو تعديلها. فالتصويت يفترض اقتناعًا مسبقًا، أو تحفظًا معللًا، أو اعتراضًا مدعومًا بالحجج، لا مجرد حضور صامت.
إشكالية الكفاءة والأمية :
من بين المعضلات التي تعمّق هذا الفراغ التمثيلي، وجود بعض المستشارين غير الملمين بالقراءة والكتابة أو العاجزين عن استيعاب الوثائق الرسمية ومشاريع المقررات. هذا الواقع يجعل مشاركتهم محدودة أو منعدمة، ويدفعهم أحيانًا للتصويت دون فهم حقيقي لمضمون ما يُعرض للنقاش. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول معايير انتقاء المرشحين ومسؤولية الأحزاب والناخبين في ضمان تمثيلية ذات كفاءة.
المجلس فضاء للنقاش لا للفرجة :
دورات المجلس الجماعي ليست مناسبة شكلية، بل ورشة لاتخاذ قرارات مؤثرة على واقع المواطنين والتنمية المحلية. الصمت الدائم والحياد السلبي يُضعف العمل الجماعي، ويحوّل التمثيلية إلى صفة إدارية بدل أن تكون التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا.
المحاسبة تبدأ من السلوك داخل المجلس :
من حق الساكنة أن تراقب أداء ممثليها داخل الدورات، وأن تسائل الغائبين عن النقاش الحاضرين فقط عند التصويت. فالحملات الانتخابية لا تنتهي يوم الاقتراع، بل تبدأ فعليًا داخل قاعات الاجتماعات، حيث تُختبر النوايا وتُقاس الفعالية.
حين يكون المستشار الجماعي حاضرًا جسدًا وغائبًا موقفًا وفكرًا، يصبح حضوره كعدمه، وتضيع على المجلس والساكنة فرصة الاستفادة من صوته واقتراحاته. والرهان اليوم هو الانتقال من منطق “الحضور العددي” إلى منطق “الحضور المؤثر”، لأن الديمقراطية التمثيلية لا تُدار برفع الأيدي فقط، بل برفع المستوى والوعي والمسؤولية.
