ذات صلة

أزمة صامتة تهدد حياة الآلاف.. خصاص خطير في أطباء القلب والسكري بسيدي قاسم

تحولت معاناة المرضى بإقليم سيدي قاسم إلى مصدر قلق...

ضربة بالمسيرة المغربية تطيح باسم ثقيل داخل هرم قيادة جبهة البوليساريو

شهدت قيادة جبهة البوليساريو تطورا لافتا بعد مقتل لحبيب...

حكيمي أساسياً في ودية النرويج.. والمنتخب المغربي يواصل التحضير لمونديال 2026

حكيمي أساسياً في ودية النرويج.. والمنتخب المغربي يواصل التحضير...

كندا والمغرب يعززان شراكتهما الأمنية في مواجهة الجريمة العابرة للحدود

كندا والمغرب يعززان شراكتهما الأمنية في مواجهة الجريمة العابرة...

ائتلاف موريتاني يفند استهداف منقبين ويستنكر ترويج معطيات مغلوطة حول حادثة الصحرا

  ائتلاف موريتاني يفند استهداف منقبين ويستنكر ترويج معطيات مغلوطة...

الأكثر شهرة

أزمة صامتة تهدد حياة الآلاف.. خصاص خطير في أطباء القلب والسكري بسيدي قاسم

تحولت معاناة المرضى بإقليم سيدي قاسم إلى مصدر قلق...

ضربة بالمسيرة المغربية تطيح باسم ثقيل داخل هرم قيادة جبهة البوليساريو

شهدت قيادة جبهة البوليساريو تطورا لافتا بعد مقتل لحبيب...

حكيمي أساسياً في ودية النرويج.. والمنتخب المغربي يواصل التحضير لمونديال 2026

حكيمي أساسياً في ودية النرويج.. والمنتخب المغربي يواصل التحضير...

كندا والمغرب يعززان شراكتهما الأمنية في مواجهة الجريمة العابرة للحدود

كندا والمغرب يعززان شراكتهما الأمنية في مواجهة الجريمة العابرة...

سكينة بنجلون: من القضية إلى الظاهرة..قراءة سوسيولوجية

حليمة الزومي: مديرة مركز الأمل المتعدد الوظائف للنساء في وضعية صعبة

إن قضية سكينة بنجلون تتجاوز كونها حدثًا فرديًا أو واقعة معزولة، لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية كاشفة عن التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، سواء على مستوى بنية الأسرة، أو أنماط العنف، أو علاقة الأفراد بالمجتمع والمؤسسات.

من منظور سوسيولوجي، تبرز هذه القضية الدور المتنامي الذي باتت تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الفضاء الاجتماعي. فلم تعد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل، بل أضحت فضاءً عامًا موازِيًا تُصاغ داخله المواقف، وتُبنى الأحكام، وتُعاد فيه صياغة الصور الاجتماعية للأفراد، خصوصًا النساء. وقد أدى ذلك إلى تآكل الحدود التقليدية بين المجال الخاص والمجال العام، حيث أصبحت النزاعات الأسرية، التي كانت تُدار داخل دوائر ضيقة، موضوعًا للنقاش العمومي والتفاعل الجماعي.

كما تعكس قضية سكينة بنجلون تحوّلًا نوعيًا في علاقة المجتمع بالقانون. فالقانون لم يعد يُنظر إليه فقط كنص مؤسساتي يُفصل فيه داخل المحاكم، بل أصبح موضوعًا للاستهلاك الاجتماعي، تُعاد قراءته وتأويله عبر عدسات متعددة: أخلاقية، ثقافية، دينية، وأحيانًا عاطفية. هذا التحول، ورغم ما يحمله من مؤشرات على اتساع دائرة الاهتمام بالشأن القانوني، إلا أنه يطرح إشكالية المحاكمة المجتمعية، حيث يُستبدل منطق القانون بمنطق الرأي العام، وتُستبق الأحكام قبل استكمال المساطر.

ومن زاوية تحليل البنية الاجتماعية، تكشف هذه القضية عن تصدّع تصورات نمطية طالما اختزلت العنف في الفقر أو الهشاشة أو ضعف الوعي. فقد أظهرت هذه الواقعة أن العنف ظاهرة عابرة للطبقات الاجتماعية، لا ترتبط حصريًا بمستوى اقتصادي أو تعليمي معين، بل هي نتاج تداخل معقّد لعوامل ثقافية، وقيمية، وسلطوية، تتجلى داخل مختلف الأوساط.

كما تُبرز القضية تحولات عميقة في صورة المرأة داخل المجتمع. فلم تُقدَّم سكينة بنجلون فقط كضحية أو طرف في نزاع، بل تحولت إلى رمز اجتماعي متنازع حوله، تُسقط عليه تمثلات متناقضة بين التعاطف، والإدانة، والتشكيك. وهو ما يعكس صراعًا بنيويًا بين منظومات قيم تقليدية وأخرى حديثة، لم يحسم المجتمع بعد في كيفية التوفيق بينها، خاصة في ظل تسارع التحولات الرقمية والاجتماعية.

إن قراءة هذه القضية سوسيولوجيًا تفرض طرح سؤال جوهري حول قدرة المنظومة الأسرية والقانونية على مواكبة التحولات المتسارعة. فالتغيرات التي يعرفها المجتمع المغربي، خصوصًا في ما يتعلق بالأدوار داخل الأسرة وبتمثلات السلطة والعنف، تستدعي مقاربات جديدة لا تكتفي بالمعالجة الزجرية، بل تنفتح على الوقاية، والتنشئة، وإعادة بناء منظومة القيم.

إن قضية سكينة بنجلون، بما أثارته من نقاش عمومي واسع، لا ينبغي أن تُختزل في منطق الإدانة أو التبرير، ولا أن تتحول إلى مادة للاستهلاك العاطفي أو للتجاذب القيمي. فهي، في جوهرها، مرآة لتحولات اجتماعية عميقة، تكشف عن اختلالات بنيوية في فهم العنف، وفي إدارة النزاعات داخل الأسرة، وفي علاقة المجتمع بالقانون والفضاء الرقمي.

ومن موقعنا الميداني، ومن خلال الاحتكاك اليومي بنساء في وضعية صعبة، يتضح أن العنف ليس حدثًا معزولًا، بل مسارًا اجتماعيًا معقدًا، يتغذى من الصمت، ومن التطبيع، ومن ضعف آليات الوساطة والحماية، ومن اختلال توازنات السلطة داخل الأسرة والمجتمع. كما يتضح أن المقاربات الانفعالية أو الاختزالية لا تُنتج حلولًا مستدامة، بل قد تُعيد إنتاج الأزمة بأشكال أخرى.

إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفهم والتحليل، ومن المعالجة الظرفية إلى بناء مقاربات وقائية، تدمج البعد القانوني بالبعد السوسيولوجي والتربوي، وتُعيد الاعتبار لدور الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع المدني في الوقاية من العنف، لا فقط في التدخل بعد وقوعه.

إن حماية النساء لا تتحقق بالوصم ولا بالتشهير، كما أن استقرار الأسرة لا يتحقق بالإنكار. بل يتحققان معًا عبر وعي جماعي يعترف بالتحولات، ويُدرك تعقيد الظواهر الاجتماعية، ويؤمن بأن العدالة الحقيقية تبدأ بالفهم، وتكتمل بالإصلاح. وحده هذا الوعي كفيل بأن يجعل من القضايا المؤلمة، مثل قضية سكينة بنجلون، منعطفات للتغيير، لا مجرد لحظات عابرة في ذاكرة النقاش العمومي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر قراءة