محمد غلوط: فاعل حقوقي ومشرف تربوي بمدينة فاس
في الوقت الذي خرج فيه الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ليؤكد في حوار إعلامي أن هذه الحكومة وقعت “أكبر عدد من الاتفاقيات الاجتماعية في تاريخ المغرب” وأن “الحد الأدنى للأجور وصل إلى 4500 درهم في القطاع العام و10.000 درهم في القطاع الخاص”، وجد العاملون في قطاع التعليم الأولي أنفسهم يتساءلون: عن أي واقع يتحدث السيد الوزير؟ وأي مغرب يقصد بهذه الأرقام التي لا تمتّ بصلة لما يُعاش في الميدان؟
المربيات والمربون: حجر الأساس في الهشاشة وغياب الاعتراف
المربيات والمربون هم القلب النابض للتعليم الأولي، حيث يتعاملون يوميًا مع الأطفال ويشكلون اللبنات الأولى لشخصياتهم وقيمهم ومهاراتهم. ومع ذلك، واقعهم المالي والاجتماعي صادم: أجورهم لا تتجاوز الحد الأدنى للأجور الجديد في القطاع الخاص (3045.96 درهم ابتداء من 1 يناير 2025)، وهو رقم بعيد تمامًا عن الرقم الخيالي الذي أعلنته الحكومة (10.000 درهم).
هذا الوضع يشمل أيضا غياب الحماية القانونية، وعقود عمل هشة، وظروف عمل صعبة مع تعدد المهام. هذه الهشاشة لا تضر بالمربين والمربيات فحسب، بل تؤثر مباشرة على جودة التعليم الذي يتلقاه الطفل في هذه المرحلة الحساسة، وتكشف عن انفصال صارخ بين خطاب الحكومة وما يُعاش في الميدان.
المشرفون التربويون: جنود مجهولون بلا أجر يليق بمسؤولياتهم
المشرفون التربويون يواكبون عمل المربين والمربيات يوميا، يوجهون الممارسة التربوية داخل الأقسام، ويضمنون جودة التعليم الأولي، وهم بذلك حجر الأساس لضمان نجاح السياسات التربوية.
ومع ذلك، واقعهم المالي والاجتماعي صادم: أجورهم هزيلة ولا تقترب بأي حال من الأحوال من الرقم المعلن من الحكومة (10.000 درهم)، مع غياب الحماية القانونية والاجتماعية و التعويض الهزيل عن التنقلات المرهقة بين المؤسسات الابتدائية والوحدات التعليمية والإدارات العمومية. هؤلاء الجنود المجهولون يؤدون مهامهم تحت ضغط كبير وبتقدير ضئيل، ما يجعل جودة التعليم الأولي رهينة بالهشاشة المهنية.
الأطر الإدارية: العمود الفقري غير المعترف به
الأطر الإدارية تشرف على التنظيم الإداري وتضمن انسيابية العمل، لكنها تعمل أيضا ضمن هذا القطاع الخاص، دون أي إطار قانوني يحمي حقوقها، وبأجور منخفضة جدا بعيدا عن الرقم الذي ذكره المسؤول الرسمي.
غياب المكاتب والتجهيزات والموارد اللوجستية الأساسية يجعل مهامهم أكثر صعوبة، ويضع أي إصلاح للتعليم الأولي على المحك قبل أن يبدأ.
المكونون والمسؤولون الإقليميون: أدوار حيوية بلا تعويض حقيقي
المكونون الذين يؤهلون المربين والمربيات قبل وبعد دخولهم الميدان، والمسؤولون الإقليميون الذين يشرفون على الأقاليم، يشتغلون أيضا ضمن نفس القطاع الخاص، في ظروف مالية لا تصل إلى الرقم المعلن من طرف الوزير.
إضافة إلى ذلك، غياب الموارد والتعويضات المناسبة، محدودية السلطة لاتخاذ القرارات، يجعل دورهم الحيوي في تحسين جودة التعليم الأولي رهين الهشاشة والغبن الاجتماعي، في تناقض صارخ مع ما يُسوّق في وسائل الإعلام من أرقام مبالغ فيها.
أمام هذا المشهد، يصبح الحديث عن “أكبر اتفاقيات اجتماعية” أو عن “أجور محترمة” مجرد شعارات سياسية لا تصمد أمام اختبار الواقع. التعليم الأولي، الذي يُفترض أن يكون أولوية وطنية باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه كل مراحل التعليم، لا يزال رهين الهشاشة والتهميش. العاملون فيه – من مربين ومشرفين وأطر إدارية ومكونين – يطالبون بأبسط الحقوق: أجر عادل، حماية اجتماعية، استقرار مهني، وإطار قانوني ينظم مهامهم ويصون كرامتهم.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالأرقام التي تُطلق في البرامج التلفزيونية، بل يبدأ بالاعتراف بواقع الميدان كما هو، ووضع سياسات عمومية تعالج الاختلالات من جذورها. ولا يمكن الحديث عن جودة التعليم في المغرب إذا ظل الذين يصنعون هذه الجودة – في أولى حلقات المسار التعليمي – خارج حسابات العدالة الاجتماعية والإنصاف المهني.
تصريحات السيد الوزير، بدل أن تطمئن العاملين في التعليم الأولي، كشفت عن فجوة عميقة بين خطاب السلطة وواقع الناس. وبينما تحاول الحكومة رسم صورة وردية للوضع الاجتماعي، يظل التعليم الأولي مرآةً تعكس الحقيقة كما هي: قطاع حيوي يحمل على كتفيه مستقبل الأجيال، لكنه لا يزال يُدار بمنطق الهشاشة والتجاهل.
لا يمكن لأي حكومة أن تدعي نجاحها في “تحسين أوضاع الشغيلة” بينما مربيات ومربو التعليم الأولي، المشرفون التربويون، الأطر الإدارية، والمكونون والمسؤولون الإقليميون، جميعهم محسوبون على القطاع الخاص رغم أن الوزارة اسمها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. فهل هي بداية بيع المدرسة العمومية للخواص؟
إصلاح التعليم الأولي لا يمكن أن يتم بسياسات ترقيعية أو مبادرات موسمية. المطلوب هو الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية ضمن النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية، وتبني مشروع وطني شامل يجعل من التعليم الأولي أولوية استراتيجية، مع إطار قانوني يحمي الحقوق الأساسية، ويربط الجودة بتحسين ظروف العمل والتكوين وتوفير الموارد اللازمة.
إعادة الاعتبار للتعليم الأولي يجب أن تكون جزءا من رؤية تنموية شاملة، تعيد الاعتبار للتعليم والصحة والتشغيل كركائز لأي مجتمع عادل ومتقدم. التعليم الأولي ليس قطاعًا ثانويًا، بل هو القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها كل المراحل التعليمية اللاحقة، والاستثمار في الإنسان يبدأ من أولى سنواته.
الإصلاح يبدأ من هنا… من الحقيقة التي لا تحتاج إلى شعارات.
