الردار24H
عاد الجدل بقوة إلى قبة البرلمان بعدما أعادت التعديلات المقترحة على القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب إشعال النقاش، خاصة المادة 51 “مكرر” التي تنص على عقوبات بالحبس والغرامة ضد من يروّجون أخباراً زائفة من شأنها التأثير على مصداقية العملية الانتخابية. وخلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة، شدد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت على أن الانتقادات الموجهة لهذه المادة ناجمة عن “سوء قراءة” لمضمونها، مؤكداً أن الهدف منها ليس التضييق على حرية التعبير أو العمل الصحافي، بل حماية المسار الانتخابي من التشويه والافتراء ومحاولات التأثير الخارجي.
وأوضح لفتيت أن التشكيك في الانتخابات أمر مشروع “ما دام يستند إلى المعطيات”، لكن اختلاق الأحداث وترويج الادعاءات يمس بنزاهة المؤسسات، مشيراً إلى أن حماية الاستحقاقات من حملات التضليل الرقمي أصبحت ضرورة في ظل ما تعرفه الديمقراطيات عبر العالم من تدخلات أجنبية موجهة عبر المنصات. كما توقف الوزير مطولاً عند التعديلات المرتبطة بحماية المترشحين، مبرزاً أن الوزارة “ذهبت بعيداً” في هذا الاتجاه بعد تزايد حملات التشويه التي تستهدف المرشحين وتؤثر في ثقة الناخبين.
وخلال النقاش، دعا أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، إلى تشديد العقوبات على مروّجي الأخبار الكاذبة خلال الحملات الانتخابية، معتبراً أن ترويج معطيات من قبيل “تصويت الموتى” يضرب مصداقية الانتخابات في الصميم. كما نبه نواب آخرون إلى ظاهرة الطعن في الانتخابات من طرف بعض المرشحين بمجرد خسارتهم، وهو ما وصفوه بـ“الطعن السياسي” الذي يزرع الشك في العملية برمتها. وفي السياق نفسه، شدد البرلماني هشام المهاجري على ضرورة حماية المرشحين من الحملات الرقمية المضللة التي باتت أكثر تأثيراً وأصعب تعقباً، مشيراً إلى أن بعض الأضرار الواقعة قبل يوم التصويت لا يمكن إصلاحها لاحقاً.
وفي محور آخر، قدم وزير الداخلية توضيحات إضافية حول التعديلات المتعلقة بشروط الأهلية للترشح، مؤكداً أن إسقاط أهلية الأشخاص الصادرة في حقهم أحكام ابتدائية في قضايا جنائية أو استئنافية في جنح يأتي في إطار “حماية الوقار المؤسسي للبرلمان”، وليس في سياق التضييق على العمل السياسي. وأوضح أن “عدد النواب المتابعين في ملفات مختلفة” يفرض اتخاذ إجراءات أكثر وضوحاً وانسجاماً مع الممارسات الدولية لحماية صورة المؤسسة التشريعية.
كما برر الوزير منع موظفي وزارة الداخلية من الترشح لعضوية مجلس النواب بضرورة تفادي أي شبهة تضارب المصالح، قائلاً: “لا يمكن للوزارة أن تكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه”. وفي ما يتعلق بحظر الجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة مجالس كبرى، أشار لفتيت إلى أن التجربة أثبتت أن هذا المنع لم يحقق الأهداف المتوخاة، وأن رؤساء جماعات وعواصم كبرى كان بإمكانهم إثراء النقاش التشريعي بدل إقصائهم.
وبين جدل حماية الانتخابات وتحصين صورة البرلمان، يتواصل النقاش حول التعديلات المقترحة، وسط اختلافات عميقة حول حدود حرية التعبير، ومكافحة التضليل، وحماية المؤسسات، في وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية أن الهدف الأساس هو تعزيز الثقة في المسار الديمقراطي وترسيخ قواعد المنافسة السياسية الشريفة.
