التزكية المحروقة أم المقعد الضائع؟
في منطق الشطرنج السياسي، ليست الخسارة الحقيقية أن تفقد قطعة قوية، بل أن تدفع بها بيدك نحو معسكر الخصم وأنت مقتنع أنك ما زلت تسيطر على رقعة اللعبة. وعند لحظة الحسم، لا تنفع التبريرات ولا تجدي الأعذار، لأن صناديق الاقتراع لا تكافئ النوايا، بل تحكمها الأرقام والواقع الملموس.
اليوم، يطفو على سطح النقاش السياسي بإقليم سيدي قاسم سؤال ثقيل: هل اختار حزب التجمع الوطني للأحرار التفريط في مقعد كان يُصنَّف ضمن أكثر المقاعد أماناً في الإقليم؟
فالخبرة الانتخابية تُثبت أن الأصوات لا تتحرك دائماً وفق الانتماء الحزبي وحده، بل كثيراً ما ترتبط بالأشخاص الذين راكموا الثقة، وبنوا حضوراً ميدانياً وشبكات تواصل قادرة على صناعة الفارق يوم الاقتراع.
ومن هنا يبرز جوهر الإشكال: هل الناخب الذي منح دعمه سابقاً لـفؤاد سليم كان يصوت فقط للرمز الحزبي؟ أم كان يصوت أيضاً لشخص راكم رصيداً اجتماعياً وحضوراً مباشراً وسط الساكنة؟
فإذا كان هذا الفاعل قد ساهم في حصد عشرات الآلاف من الأصوات في وقت وجيز، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا تم اتخاذ قرار التزكية، بل أيضاً: كم من هذه الأصوات سيبقى ثابتاً، وكم منها قد يعيد توجيه بوصلته في حال تغيّر الاصطفاف السياسي؟
الانتخابات في النهاية لا ترحم الحسابات النظرية، ولا تجامل القرارات التنظيمية، بل تحسمها الوقائع على الأرض. وأي تهاون في تقدير الوزن الانتخابي الحقيقي لأي فاعل قد يتحول في لحظة الاقتراع إلى مفاجأة ثقيلة تعيد رسم خريطة النتائج بالكامل.
وفي السياسة، ليست كل القرارات التنظيمية مكسباً للحزب، فبعضها قد يتحول، دون أن يُدرك أصحابه، إلى نقطة ضعف تُستثمر من طرف الخصوم في الوقت المناسب.
